وفي نص الحفلة، وأنا واقف بعيد في أخر القاعة، طلبت فاطمة الكلمة وصعدت على المسرح. اتكلمت عن رحلتها، عن الصبر والرضا، وكيف إن الشدايد هي اللي بتصنع المعادن الحقيقية. وقالت جملة هزت القاعة كلها: “النجاح مش إنك تجمع ثروة بسرعة من غير أصل.. النجاح الحقيقي هو إنك تقع للظلــ,,ـــــم والكسرة، وتقوم بأمر الله وأنت ماسك في كرامتك وبتبني أملك بإيديك، من غير ما تسمح لغدر حد إنه يغير طبعك الطيب.”
التصق التسقيف في القاعة، وعيني جاءت في عينها لفترة ثانية واحدة من فوق المسرح.. مكنتش نظرة سخرية ولا شماتة، كانت نظرة إنسانة اتصلحت مع الماضي وتجاوزته تماماً، وبقت بتشوف المستقبل وبس. بعد انتهاء الكلمات وتوزيع الجوائز، انسحبت بالراحة عشان أخرج من القاعة من غير ما أسبب أي إحراج، بس وأنا واقف مستني عربية عند الباب الخارجي، سمعت صوت دقات جزمة هادية ورايا.. لفت ولقيتها فاطمة واقفة، ولأول مرة من سنين نبقى واقفين وش لوش من غير عياط ولا صريخ ولا محاكم.
“مبروك يا هادي.. التقرير عن شغل ورشتك ممتار، واللجنة أثنت على التزامك وضميرك.” قالتها بابتسامة هادية جداً.بلعت ريقي بالعافية وقولت: “الله يبارك فيكي يا فاطمة.. وأنا بشكرك، مش عشان العقد، بس عشان أثبتيلي إن الدنيا لسه فيها خير، وإن العوض بتاع ربنا مابيتأخرش. أنا اتعلمت الدرس، بس بعد ما دفعت أغلى ثمن في حياتي.” فاطمة بصت في الشارع بعيد وقالت بنبرة صريحة ودافية: “الحمد لله إنك اتعلمت يا هادي.. ربنا بيكفر عن الذنوب لما الإنسان بيصدق في توبته ورجوعه. ربنا يوفقك في طريقك ويفتحها عليك.”
وقبل ما أرد، قربت عربية فخمة ونزل منها راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هادية وراجل ابن ناس، وقرب بسكــ,,ـــــينة وسلم على فاطمة باحترام شديد وقالها: “جاهزة يا فاطمة هانم عشان نتــ,,ـــــحرك للمطار؟ الاجتماع بتاع دبي بكرة الصبح.” فاطمة بصتلي وقالت بوضوح وثبات: “أستاذ كريم، شريكي ورئيس مجلس إدارة المجموعة.. وزوجي.” الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت الأرض بتهتز تحت رجليا، بس في نفس اللحظة حسيت بشرارة واقعية أخيرًا حطت السطر الأخير لأوهامي القديمة.. سرت برودة مفاجئة في جسمي، والكلمةترددت في وداني زي صدى صوت جاي من بير عميق: “وزوجي”.
وقفت مشلول مكاني، ولساني عاجز عن الكلام. أستاذ كريم سلم عليا بابتسامة راقية ونبيلة، من غير ما يعرف التفاصيل المظلــ,,ـــــمة اللي بيني وبين مراته، واكتفى بإنه يقول بثقة: “أهلاً بك يا أستاذ هادي، المتابعين فشغلك ومثابرتك بيشكروا فيك جداً، ربنا يوفقك.”
أنا اكتفيت بهزة رأس باهتة، وعيني رايحة جاية بين فاطمة وبين كريم. كريم كان راجل يظهر عليه العز الحقيقي، العز اللي مش قائم على النصب والاستغلال زي ما كنت فاهم مع نورهان، لكن عز قايم على التواضع والتقدير. مسك إيد فاطمة باحترام وشبّك صوابعه في صوابعها، وهي بصتله بابتسامة أمان أنا عمري ما قدرت أمنهولها طول السنين اللي عاشتها معايا في فقر وقلق.
ركبوا العربية واتحركوا بهدوء، وأنا فضلت واقف على رصيف القاعة، هادي تماماً من برة، بس من جوة كنت بأتطحن. كانت دي أول مرة أدرك فيها الحجم الحقيقي لخسارتي؛ أنا ملمستش بس الفقر، أنا خسرت واحدة كانت ممكن تخلي التراب في إيدي دهب، والنهارده هي بقت في مكان أبعد بكثير من إن إيدي تطوله أو حتى عيني تلمحه.
رجعت ورشتي في الجيزة، وقعدت في الضلمة وسط الآلات والحديد. كانت الشغف والنجاح المالي اللي بدأت أحققه بيتقال عليه “عوض”، بس في قلبي كان طعمه علقم. وعيت إن ربنا أكرمني واستجاب لدعائي في الشغل وتوبتي، بس العقاب العادل للظلــ,,ـــــم مكنش الفقر المادي، كان “الندم الأبدي”.مرت الأسابيع، وشغلي كبر أكتر، وبقت ورشتي مصنع صغير بفضل العقود اللي اشتغلت عليها بضمير. وفي يوم، وأنا براجع كشوف الحسابات والتوريدات، جالي شاب صغير شغال في المكتب وقاللي إن فيه ست برة مصرة تقابلني وترفض تمشي قبل ما تشوفني.
خرجت للتقاطعات الخرجية للمصنع، ولقيت واحدة قاعدة على دكة خشب، ظهرها منحني، ولابسة عباية إسود متبهدلة. أول ما وقفت قدامها، رفعت وشها.. وكانت نورهان. مرض السرطان كان أكل ملامحها، وشعرها اللي كانت بتتباهى بيه زمان وبتصرف عليه ألوفات كان متغطي بشال مبهدل، وعينيها غايرة ومطفية تماماً. لما شافتني، انهمرت دموعها وقالت بصوت مجروح ومخنوق: “هادي.. أنا جاية أستسمحك.. الأطباء قالولي إن أيامي معدودة، والقضايا أكلت اللي ورايا واللي قدامي، ومفاضلش حيل للقتال.. أنا ظلــ,,ـــــمتك وظلــ,,ـــــمت فاطمة، والدنيا دارت عليا لحد ما بقيت بشحت لقمتي ومسكن الألآم.”
نورهان اترمت على رجليا تبكي وتستغيث، ونفس المشهد اللي أنا عملته مع فاطمة زمان كأنه بيتكرر بالحرف، بس المرة دي نورهان هي اللي بتدفع التمن بأبشع طريقة. مديت إيدي، رفعتها من الأرض، وقعدتها على الكرسي. مكنش في قلبي ليها غير الأسى والشفقة على المصير اللي صنعته لنفسها. وقولتلها بصوت هادي: “أنا مسامحك يا نورهان من كل قلبي.. ربنا هو اللي بيحاسب، وأنا وإنتي أخدنا دروسنا. أنا هتكفل بعلاجك ومصاريفك لحد ما ربنا يكتبلك الشفا أو يختار وديعته.”
بصتلي باستغراب ودموعها نازلة: “بعد كل اللي عملته فيك؟” رديت عليها وأنا ببص للسما: “عشان أصلح اللي باقيلكم وليّا عند ربنا.. عشان لما أقابل وجه كريم، أكون عملت أصل، زي ما فاطمة علمتني.” بدأت أتابع حالة نورهان الصحية بنفسي، ونقلتها لمستشفى محترم على حسابي، وفي نفس الوقت كنت ببعت نص أرباح مصنعي بصفة دورية لدار أيتام ومؤسسات خيرية من غير ما أكتب اسمي، كأني بأحاول أطهر الفلوس اللي كسبتها زمان بالحرام، وأغسل إيدي من الماضي.
وف يوم الصبح، وأنا في المصنع، جالي تليفون من أختي في الصعيد، وصوتها كان بتترعش فيه الزغاريد والدموع: “يا هادي.. الحق! أبوك تعب فجأة وطلبك بالإسم.. بيقولك تعالى يا بني، عايز أشوفك وأسلم عليك قبل ما أقابل ربنا.” جسمي اتنفض، وسيبت كل اللي في إيدي، وركبت عربيتي وسوقت بكسر السرعة نحو الصعيد، وأنا بدعي ربنا يلحقني أقبل إيد أبويا وأخد دعوته الأخيرة قبل ما القبــ,,ـــــر يتقفل عليه.. ولما وصلت للبيت القديم، اتفاجأت بالعربيات المركونة قدام الباب، وجمهرة الناس، وفاطمة واقفة وسطهم..