بدأت أتحرك خطوات لعدم الاستسلام للضياع، وقررت أبدأ من القاع. اشتغلت في ورشة صغيرة لتركيب وتصليح الآلات، بعرق جبيني وقوت يومي بجد، وبقيت أحوش كل قرش يزيد عن أكلي وإيجار أوضتي الحقيرة في الجيزة، وأبعته لوالدي في الصعيد كرسالة اعتذار صامتة، حتى لو كان بيفضل يرفض يكلمني في التليفون. مرت شهور، وفي يوم شتا قارص، خرجت من شغلي متأخر، ولقيت شخص واقف قصاد باب الورشة بيبصلي بذهول واشمئزاز.. كانت نورهان. ملابسها كانت دبلانة، ووشها باهت، الشياكة والكبرياء اللي كانوا بيزحزحوا الجبال اتمحوا تماماً. قربت مني بقلة حيلة وقالت بصوت مكسور:
“هادي.. أنا عارفة إننا دمرنا بعض، بس أنا مديونة بأرقام كبيرة وممكن أتسجــ,,ـــــن في أي لحظة.. أرجوك مساعدة، أصل اللي عملته فيا صاحبتي بره مصر كسرني، وأنا مالقتش حد ألوذ بيه غيرك.” بصيت لنورهان، ومحسيتش بالشماتة، حسيت بعبء وشفقة على النتيجة المأساوية للشر. حطيت إيدي في جيبي وطلعت المبلغ البسيط اللي حوشته للشهر ده وإديتهولها وقولت بجمود: “دي أخر حاجة أقدر أقدمهالك يا نورهان.. امشي في طريقك وحاولي تتوبي، الفلوس اللي اتركبت على كسر قلوب الناس مابتجيبش غير الخراب. إحنا الاتنين أخدنا جزاء أفعالنا، ومافضلش لينا غير إننا ندفع التمن.”
سابت الفلوس في إيدها ومشيت وهي بتعيط بمنتهى العجز، وبقيت أنا واقف في الشارع الضيق، حاسس إن آخر قيد كاذب من الماضي اترفع عن كاهلي. بعد أسبوعين، جالي إشعار من المحكمة لحضور جلسة تسوية قضايا تخص المحل والورشة القديمة بتاعة والدي في الصعيد. سافرت للبلد بقلب خايف ومتردد. لما دخلت قاعة المحكمة، اتفاجأت بوجود فاطمة قاعدة مع محاميها.
اتضاح إن نورهان كانت بايعة أوراق مطالبات مزورة على محلات والدي للبنك قبل إفلاسها، وكانت القضايا تهدد بحجز البيوت والمحلات. بس فاطمة، بشركتها ومكتبها القانوني الجديد، كانت شغالة على القضية بقالها شهرين، وسددت كل ديون البنك القديمة وأنهت القضايا، وحمت أرض والدي ومحلاته من المصادرة. بعد الجلسة، وقف والدي وأمي قدام باب المحكمة، وبيحــ,,ـــــضنوا فاطمة ويدعولها بالستر والبركة، وهي بتبتسم لهم بحب حقيقي وعين مليانة بالوفاء. قربت منهم بالراحة، والكل سكت فجأة. بصيت لفاطمة وقولت بصوت واطي:
“شكراً يا فاطمة.. أنقذتي تاريخ أبويا اللي أنا كنت هضيعه بنفسي.”ردت عليا بصوت هادي وموزون، خالي تماماً من أي ضغينة: “أنا عملت ده عشان عمي اللي كان ليا أب قبل ما أنت تكون زوج، وعشان الأصول اللي اتربيت عليها. الجميل بيترد بالخير، والندالة مبتغيرش طبع ابن الأصول. أنت خلاص بقيت بره حياتنا يا هادي، بس بتمنى لك تلاقي طريقك وتعرف تبدأ من جديد مع نفسك.” والدي قرب مني، وحط إيده على كتفي لأول مرة من سنتين، وعينيه مليانة دموع وقسوة متزنة:
“أنت ابننا يا هادي، وهنفضل ندعيلك بالهداية.. بس فاطمة هي اللي صنعت أصل العيلة دي وحمته في وقت أنت بعته فيه. روح كمل طريقك واعف عن نفسك بالعمل الشريف، بس متفكرش ترجع لورا.” مشيت فاطمة مع أهلي، وسبت الصعيد ورجعت للقاهرة. الشارع القديم اللي فيه العمارة الشعبية كان فيه حركة وغيرة جديدة؛ فاطمة كانت حولت شقتها القديمة لمركز تدريب مجاني لبنات الحي على التفصيل والشغل اليدوي عشان يفتحوا بيوتهم بكرامة.
بقيت أمشي في نفس الشارع من بعيد، أقف تحت الشباك اللي كنت بقلل منه زمان، وأشوف النور طالع منه والصبايا داخلين وخارجين بيدعولها بالخير، وأعرف إن التكفير عن الذنب مش مجرد ندم باللسان، لكنه مشوار طويل من المحاولة لبناء نفس جديدة. وفي يوم من الأيام، وأنا شغال في مشروعي الصغير الجديد لورشة تصليح ومعدات، دخل عليا راجل كبير في السن، ومعه ملف أوراق وقال: “أنت المهندس هادي؟ فيه مؤسسة استثمارية كبيرة عايزة تتعاقد مع ورشتك للتوريدات.. بس بشرط واحد، إن كل المعاملات تتسدد بشفافية وبدون أي تلاعب.”
ولما بصيت على عقد المؤسسة، لقيت الإمضاء في النهاية: “مؤسسة فاطمة للتمكين والتنمية”.. مسكت الورق بين إيديا وأنا مش مصدق عينيا. اسم فاطمة مكتوب بخط عريض وشيك في نهاية العقد، وتحته ختم المؤسسة اللي أصبحت واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية والتنموية في المنطقة. الراجل صاحب الملف كان بيبصلي بجدية وينتظر ردي، وأنا صوابعي بتترعش فوق الورق. “هو.. هي اللي طلبت إن العقد ده يجيلي أنا بالذات؟” سألته بصوت مكتوم.
الراجل هز راسه بالنفي وقال بوضوح: “لا يا باشمهندس. المؤسسة عندها لجنة تقييم بتدور على أصحاب الورش الصغيرين والمكافحين اللي بيقدموا شغل بضمير وأسعار عادلة. اسم ورشتك طلع في البحث والتقييم، والمديرة التنفيذية أستاذة فاطمة بتوقع على العقود بعد ما اللجنة بترفع لها التقرير. هي مابتتدخلش في المحسوبيات ولا بتميز حد.. شغل شغل، وحق ربنا قبل أي شيء.”الكلمات نزلت عليا كأنها درس جديد في الأصول. فاطمة مابتنتقمش، ولا بتجامل، ولا بتسعى إنها تذلني بفلوسها؛ هي ببساطة بقت عايشة في عالم تاني خالص، عالم كبير ونظيف قايم على العدل والمبادئ، عالم أنا كنت بره حدوده تماماً يوم ما اخترت الطرق الملتوية.
وقعت على العقد وأنا حاسس بمسؤولية ضخمة. كانت دي أول فرصة حقيقية ليا عشان أثبت لنفسي ولربنا إن هادي الجديد اتولد فعلاً من رحم المعاناة والندم. اشتغلت ليلاً ونهاراً في الورشة، كنت بسهر للصبح أظبط المعدات وأراجع كل مسمار وكل قطعة غيار بنفسي، عشان المعاملة تطلع في أبهى صورة. مرت ست شهور والتعامل بين ورشتي والمؤسسة ماشي عن طريق الموظفين والمناديب، لحد ما جيه يوم الاحتفال السنوي لتكريم الموردين وشركاء النجاح في المؤسسة. جالي كارت دعوة رسمي باسمي لحضور الحفل في قاعة كبيرة بالقاهرة.
ترددت كتير قبل ما أروح، بس حسيت إن الهروب هيفضل يطاردني. لبست بدلة بسيطة جداً، وذهبت للقاعة. المكان كان مليان بشركاء نجاح وشخصيات عامة وإعلاميين، ووسط كل ده كانت فاطمة واقفة بتتكلم مع الناس بهيبة ووقار، بسيطة في مظهرها بس حضورها يفرض احترام أي حد.

