خرجت من باب البيت والشمس بتضــ,,ـــــرب في وشي، لأول مرة من تلت سنين أحس بنسمة هوا نضيفة تدخل صدـ,,ـــري، مفيهاش ريحة تراب سلالمهم ولا زفارة مطابخهم. رجلي كانت بتمشي بسرعة كأن الأرض نفسها بتطردني بعيد عن كابوسهم، والشنطة الصغيرة في إيدي خفيفة، بس الحمل اللي جوايا كان أتقل من جبال الدنيا. وصلت حارة أبويا، البيت القديم المتهالك اللي اتربيت فيه. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبول؛ مكنتش خايفة من مواجهته، كنت مستنية أشوف وشه لما يعرف إن البضاعة اللي باعها رجعتله تاني كاسرة قيودها.
فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي كان لسه معايا، لقيته قاعد على الكنبة بيشرب شاي ويدخن، أول ما شافني تنح وبصلي من فوق لتحت وقال باستغراب: “إيه اللي جابك يا بت في وقت زي ده؟ وفين جوزك؟ مفيش حد بيسيب بيته في عز النهار كده!” قربت منه، رميت الشنطة على الترابيزة قدامه ووقفت مصلوبة الطول وقولتله بصوت قاطع: “جوزي رايح يخطب بنت عمه يا أبا.. وقالي انزلي اخدمي أمي تحت بعد ما شبعوا مني تلت سنين بالورقة اللي كتبتهالي وضحكت عليا بيها.”
أبويا وشه اصفر في ثانية، وحط كوباية الشاي بإيد مرتعشة وقال وهو بيحاول يداري ارتباكه: “تخطب إيه وتخاريف إيه؟! انتي اتجننتي؟ دا راجل وبيدفع، وأنا متفق معاه.. انتي أكيد عملتي مصيبة ولا قصرتي في خدمته وزعلتيه!” ضحكت بسخرية وجع وقهر، وقربت منه خطوة زيادة وقولتله: “شاري إيه يا راجل يا طيب؟ شاري خدامة ببلاش؟ قالي بعضمة لسانه إنه مش هيديني حقوق.. بعتني بكام يا أبا؟ التلت سنين ذل وإهانة وضــ,,ـــــرب وقلة قيمة كانوا بكام في جيبك؟!”
أبويا قام وقف وعينه زاغت من الحقيقة اللي انكشفت في وشه، رفع صوته عشان يداري خيبته وقال: “صوتك ميعلاش عليا يا فاجرة! دا ستر وغطا عليكي، وبدل ما تحمدي ربنا جاية تعلي حسك؟ تلمي هدومك وترجعي تبوسي راس جوزك وحماتك، البيت ده ملوش مكان ليكي، والناس هنا مبترحمش، فما بالك باللي جوازها ملوش قسيمة رسمي!”
في اللحظة دي عرفت إن الضهر اللي كنت مستنياه يقويني مكسور من زمان، وإن السند اللي كنت فاكراه أبويا كان هو أول واحد غرس السكــ,,ـــــينة في ضهري.صيتله بجمود كأن المشاعر كلها مـ,ـاتت جوايا، وقولتله: “الناس هتعرف الحقيقة كلها يا أبا.. هتعرف إنك رميت بنتك لجواز عرفي باطل.. والبيت ده أنا مش قاعدة فيه دقيقة واحدة، بس قسماً بربي، كل مليم اتسبب في كسرتي في البيت داك، هتدفعوا تمنه، أنتوا وهو، بالقانون وبالشرع.”
لفيت ضهري وخرجت وسيبته واقف بينادي عليا برعب وهو خايف من الفضيحة وسط أهل الحارة، ونزلت الشارع وأنا باخد عهد على نفسي: مش هرجع لنقطة الصفر، وهاخد حقي تالت ومتلت من كل اللي ظلــ,,ـــــموني. نزلت الشارع وراسي مرفوعة، بس رجلي مكنتش عارفة توديني فين. الشوارع كانت زحمة والناس رايحة وجاية، وكل واحد ملهي في حاله، وأنا واقفة في وسطهم شنطتي في إيدي ودمي بيفور، بس مفيش في جيبي غير ملاليم متكفيش حتى أجرة مواصلة لآخر الخط.
افتكرت الست “أم بطرس”، جارتنا القديمة وصاحبة أمي الله يرحمها من زمان، الست الوحيدة اللي كانت بتخاف عليا وبتحذر أمي من طمع أبويا. مشيت لحد بيتها في آخر الحارة ودقيت الباب وأنا حابسة نفسي. أول ما فتحت وشافتني بوشي الشاحب والشنطة في إيدي، سحبتني لجوة وقفلت الباب من غير ما تنطق بحرف. قعدتني على الكنبة وجابتلي كباية مية، وبصت في عيني وقالت بحنية الدنيا: “عملوا فيكي إيه يا بنتي؟ أبوكي رماكي تاني؟” ساعتها بس، الوجع انفجر، حكيتلها كل حاجة من أول يوم دخلت فيه البيت بالورقة العرفي لحد ما البيه طالع يخطب بنت عمه وعايزني جارية لأمه.
أم بطرس خبطت على صدـ,,ـــرها بذهول وقالت بغيظ: “ولاد الحرام! فاكرين الدنيا سايبة ومفيهاش قانون؟! ده استغلال واتجار بيكي يا ضنايا! اسمعي مني، بنتي شغالة في جمعية حقوقية وعندهم محامين بياخدوا حق الغلابة اللي زيك من غير ولا مليم.. قسماً بالله ما نسيب حقك يروح هدر!” في نفس الليلة، اتواصلنا مع محامية من الجمعية، وقالتلي بوضوح: “إحنا مش بس هنرفع قضية إثبات زواج ونطالب بحقوقك ونفقتك ومتعتك عن التلت سنين دول، إحنا كمان هنقف معاكي لحد ما تجيبي حقك كاملاً بالقانون، والجهات المعنية هتجيبهم راكعين.”
الخبر نزل على عيلة جوزي وأبويا زي الصاعقة في تاني يوم الصبح، لما لقى نفسه مطالب قانونياً ومحاضر رسمية بتتهددهم بفضيحة وسط البلد كلها، وعيلة بنت عمه لغت الخطوبة فوراً وطردوه لما عرفوا إنه مهدد بالقانون وإنه متجوز عرفي وواكل حقها.