معك حق. هذا النص كامل من بدايته إلى نهايته، دون اختصار
تجمّدت عيناي عند تلك الكلمة.
ابنتي.
ليست حفيدة، ولا فتاة، ولا مسكــ,,ـــــينة كنتُ أعمل عندها بدافع الشفقة.
ابنتي.
بدأ أبناء الحاجة كريمة يتكلمون جميعًا في الوقت نفسه، لكن أصواتهم كانت تصلني من بعيد.
رفع كاتب العدل يده وطلب منهم الصمت بهدوء بدا كأنه تدرّب عليه لسنوات.
واصلت القراءة، رغم أن الحروف كانت تتحرك أمام عيني من الدموع.
عندما وُلدتِ، كان إخوتك بالغين بالفعل، وكانوا يكرهونني لأن قدومك كان سيغيّر كل شيء.
نظرت إلى الابنة الصغرى، تلك التي فتّشت حقيبتي وكأنني وُلدت ويدي متسختان.
فتحت فمها، لكنها لم تقل شيئًا.
كانت الرسالة ترتجف بين أصابعي.
والدك لم يتخلَّ عنك يا آنا، لأن الرجل الذي عرفتِه كأب لم يكن والدك.
شعرت أن أرض المقبــ,,ـــــرة تهبط تحت حذائي القديم.
كان سائقًا قبل المال كي يأخذك بعيدًا، ويسجلك باسم عائلة أخرى، ويُخفيك من حياتي.
تقدّم الابن الأكبر للحاجة كريمة خطوة نحوي.
هذا كذب.
تدخل كاتب العدل بيننا.
يا سيد سامر، أنصحك أن تسمع حتى النهاية.
شحُب وجه سامر عندما سمع اسمه بهذه النبرة التحذيرية.
لم أكن أعرف هل أتنفس أم أمزق الرسالة.
كانت الصورة تحــ,,ـــــرق كفي.
هناك كانت الحاجة كريمة شابة، تحمل الطفلة بين ذراعيها، وكانت على جسد تلك الطفلة علامة صغيرة قرب الأذن اليسرى.
وأنا لدي العلامة نفسها.
لمست رقبتي كأنني
أكتشف جسدي لأول مرة.
استمرت الرسالة بخط يرتجف أكثر.
قالوا لي إنك متِّ في المستشفى.
أروني جسد طفلة صغيرة ملفوفة، ودفــ,,ـــــنتها دون أن أنظر جيدًا، لأنني كنت مخدّرة ومحطمة.
وضعت يدي على فمي.
الحاجة كريمة أيضًا دفــ,,ـــــنت كذبة.
وعاشت مع ابنة ميتة كانت ما تزال تتنفس في حيّ آخر.
بدأ الابن الأوسط، مازن، يتصبب عرقًا.
أمي كانت مريضة في عقلها.
فتح كاتب العدل حقيبته السوداء.
والدتكم كانت أكثر وعيًا منكم جميعًا.
أطلقت الابنة الصغرى، سمر، ضحكة حادة.
لا يمكنه إثبات شيء.
نظرت إليها.
ولأول مرة لم أشعر أنني فتاة الممسحة.
شعرت أنني سؤال وصل متأخرًا لكنه وصل ومعه مفتاح.
أخرج كاتب العدل ورقة ثانية.
الحاجة كريمة تركت أدلة، وتحاليل خاصة، وبلاغًا مختومًا ليُسلَّم اليوم.
ساد الصمت في المقبــ,,ـــــرة.
حتى الريح بدت وكأنها توقفت بين أكاليل الزهور الرخيصة.
تابعت القراءة.
وجدتك قبل ثمانية أشهر يا آنا، بسبب ندبة ظهرت في صورة نشرتها أمك التي ربّتك وهي تطلب المساعدة لشراء الدواء.
أمي.
المرأة المريضة التي علمتني ألا أسرق ولو كان بطني يتألم من الجوع.
المرأة التي لم يكن لديها مال، لكنها كانت تملك يدين تمشطان شعري عندما أبكي.
كانت الرسالة تقول أمك التي ربّتك، لكن صدـ,,ـــري لم يعرف كيف يتقبل تلك الكلمة.
ذهبت لأراك من بعيد.
رأيتك تبيعين الحلوى، وتحملين الأكياس، وتضحكين مع أطفال الشارع، وتعطين الماء لكلب هزيل.
حينها عرفت أنهم لم يسرقوا مني كل شيء.
بكيت.
ليس من أجل البيت.
ولا من أجل المال الذي أصبح يدور حولي فجأة كالذباب الجائع.
بكيت لأن الحاجة كريمة رأتني قبل أن تلمس حياتي.
اختبرتني بالمكنسة، وبالشوفان، وبقطعة الخبز المقسومة، وبصمتها القاسي.
وأنا، دون أن أعرف، كنت أدخل كل خميس لأنظف بيت أمي.
انتزع سامر الرسالة من يدي.
تحرك كاتب العدل بسرعة، لكن مازن دفعه.
دعنا نرى ماذا كتبت تلك العجوز من سخافات!
لم أفكر.
صفعت سامر صفعة قوية حتى سقط الظرف على الأرض.
تجمد الجميع.
وأنا أيضًا.
لم أكن قد ضــ,,ـــــربت أحدًا في حياتي.
لكن يدي لم تندم.
لا تنادِ المرأة التي دفــ,,ـــــنتها للتو دون أن تبكي عجوزًا.
اندفعت سمر نحوي.
يا جائعة!
أجبتها
نعم ومع ذلك لم أسرق حياة أحد.
استدعى كاتب العدل رجلين كانا واقفين قرب باب المقبــ,,ـــــرة.
لم يكونا من المعزين.
كانا من الشرطة.
توقف أبناء الحاجة كريمة عن التمثيل.
غيّر الخوف ملامحهم.
تراجع مازن.
وشدّ سامر قبــ,,ـــــضتيه.
أما سمر فنظرت نحو سيارتها كأنها تحسب المسافة للهرب.
التقط كاتب العدل الرسالة وأعادها إليّ بحذر وقال
كانت الحاجة كريمة تعرف أنهم قد يتصرفون هكذا.
لم أستطع أن أبعد عينيّ عن رجال الشرطة.
ماذا يحدث؟
قال
والدتك لم تترك وصية فقط يا آنا.
عادت تلك الكلمة تخترقني.
والدتك.
بل تركت أيضًا إفادة رسمية عن اختفاء طفلة، وتزوير مستندات، واحتمال وجود تمثيل لجريمة وفــ,,ـــــاه غير حقيقية.
بدأت سمر تبكي، لكن دموعها لم تكن ألمًا.
كانت حسابًا.
كنا صغارًا.
نظر إليها كاتب العدل ببرود.
كان عمرك اثنين وعشرين عامًا عندما وُلدت آنا.
أغلقت سمر فمها.
شعرت بالغثيان.
إخوتي.
كانت الكلمة نفسها إهانة.
أنجبت الحاجة كريمة ذئابًا قبل أن تنجبني.
سلمني كاتب العدل المفتاح الصغير.
هذا يفتح الغرفة الخلفية.
تذكرت الأقفال الثلاثة، والغبار الثابت، والطريقة التي كانت الحاجة كريمة تلمس بها الصندوق المعدني كلما طرق أحد الباب.
طلبت والدتك أن تدخلي أنتِ أولًا.
صرخ سامر
ذلك البيت لنا!
فتح كاتب العدل ملفًا آخر.
لم يعد لكم.
نظروا إليه كأنه أهان القبــ,,ـــــر.
الحاجة كريمة عدّلت وصيتها قبل ستة أشهر.
شحُب وجه سمر.
لم يكن بإمكانها فعل ذلك.
بالطبع كان بإمكانها.
نحن أبناؤها.
نظر كاتب العدل إليّ.
وآنا أيضًا.
لم يتحرك أحد.
وللمرة الأولى في حياتي، دافعت عني الحقيقة دون أن أضطر للتوسل.
ذهبنا إلى بيت جبل اللويبدة والشرطة خلفنا.
اضطر أبناء الحاجة كريمة إلى مرافقتنا لأن كاتب العدل استدعاهم لقراءة الوصية الرسمية.
جلست في المقعد الخلفي لسيارة أجرة، أضم الصورة والمفتاح إلى صدـ,,ـــري.
فكرت في أمي المريضة، الأم الوحيدة التي كنت أتذكرها.
فكرت كيف سأخبرها أن حياتي لها جذر آخر.
وفكرت في الحاجة كريمة وهي تسألني إن كنت سأحضر جنازتها.
لم أكن أريد أن أرث بيتًا.
كنت أريد عصرًا واحدًا إضافيًا لأسألها لماذا لم تحتضنني عندما عرفت من أكون.
عندما وصلنا، صرّ الباب كالعادة.
لكن هذه المرة لم يستقبلني
البيت كعاملة.
استقبلني كابنة عادت متأخرة إلى غرفة مغلقة.
فتح كاتب العدل الصالة.
جلس الأبناء دون أن يخلعوا نظاراتهم السوداء.
مشيت إلى آخر الممر.
كانت الأقفال الثلاثة تلمع على الباب.
فتح المفتاح الصغير القفل الأول.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وعندما دفعت الباب، خرجت رائحة خشب قديم وبودرة وملابس محفوظة.
لم يكن في الداخل ذهب.
ولا صناديق مال.
كان هناك سر,,ـــــير طفلة أبيض.
سر,,ـــــير لم يمسّه أحد.
بشراشف صفراء قديمة، وزينة نجوم معلّقة فوقه، ودمية قماشية جالسة على الوسادة.
غطيت فمي.
كانت الجدران مليئة بصوري.
صور مأخوذة من مواقع التواصل.
صور التُقطت من بعيد.
صور لي عند عربة الحلوى.
وصور للمدرسة.
وصور للمستشفى الذي كانت أمي تتعالج فيه.
كانت الحاجة كريمة قد صنعت مزارًا للبحث.
وعلى خزانة صغيرة كانت هناك دفاتر مليئة بالتواريخ.
اليوم جاءت آنا وهي تسعل.
اليوم لم ترغب آنا في الخبز، لكنها خبأته في حقيبتها.
اليوم بكت آنا في المطبخ ولم ترد أن تقول لماذا.
اليوم كدت أن أقول لها ابنتي.
انحنيت فوق سر,,ـــــير الطفلة.
ابنة الحاجة كريمة، المرأة التي ولدتني، عرفتني وأنا أنظف حمامها لأنها لم تكن تعرف كيف تتكلم معي دون أن تكسرني.
ومع ذلك كسرتني.
لأن هناك حقائق تنقذ، لكنها تصل والزجاج في يديها.
دخل كاتب العدل ورائي وسلمني صندوقًا آخر.
هذا كان مخصصًا لك وحدك.
فتحته.
كان بداخله خصلة من شعر طفل، وسوار مستشفى، وفستان وردي صغير، وجهاز تسجيل قديم.
وكان هناك أيضًا ذاكرة إلكترونية صغيرة.
والدتك سجلت رسالة.
وصلنا الذاكرة بالتلفاز في الصالة أمام الجميع.
اشتغلت الشاشة.
ظهرت الحاجة كريمة جالسة على كرسيها، تمسك مسبحتها، وشعرها مصفف كما كان في آخر يوم خميس.
كانت تبدو متعبة، لكنها لم تكن ضعيفة.
إذا كنتِ تشاهدين هذا يا آنا، فهذا يعني أنك جئتِ لتودعيني.
ملأ صوتها البيت.
خفض الأبناء أعينهم إلى الأرض.
سامحيني لأنني لم أقل لك الحقيقة عندما دخلتِ أول مرة بحذائك المهترئ ودلوك المستعار.
بكيت بصمت.
أردت أن أصرخ باسمك يا ابنتي، لكنني خفت أن تهربي.
تنفست الحاجة كريمة ببطء.
وخفت أيضًا أن يكملوا ما بدأوه.
وقف سامر.
أطفئوا هذا الشيء.
أجبره أحد رجال الشرطة على الجلوس.
استمرت الصورة.
عندما وُلدتِ، كان أخوك سامر مسؤولًا عن إدارة حساب تركه والدك الحقيقي لي.
قفز قلبي.
والدك الحقيقي.
كان اسم والدك جلال مراد، ولم يكن رجلًا غنيًا، لكنه كان شريفًا.
نظرت إلى كاتب العدل.
مراد.
اسمي.
الاسم الذي ظننته اسم الرجل الذي تركني.
مات جلال قبل ولادتك، وكانت أملاكه لي ولك.
أغمضت الحاجة كريمة عينيها على الشاشة.
أبنائي لم يحتملوا ذلك.
بدأت سمر تتنفس بسرعة.
خدّروني، وزوّروا الأوراق، ودفعوا المال لممرضة، وأخرجوك من المستشفى.
امتلأت الغرفة بعنــ,,ـــــف قديم.
نظرت إلى سامر.
لم يعد يبدو متكبرًا.
بدا محاصرًا.
سلموك لرجل مديون اسمه لؤي مراد، وافق أن يسجلك ابنته مقابل المال.
أبي المفترض.
الرجل الذي غادر عندما كنت في الحادية عشرة.
الرجل الذي ترك لنا الديون والصورة الممزقة.
لم يتركني لأنه جبان.
تركني لأنه لم يكن أبي أصلًا.
تابعت الحاجة كريمة
أمك التي ربّتك لم تكن تعرف الحقيقة في البداية.
أطلقت أنفاسي.
وعندما عرفتها، كانت قد أحبتك أكثر من حياتها، وخافت أن تفقدك.
ارتجفت ساقاي.
لم أستطع أن أكره أمي.
ليس الآن.
وربما لن أستطيع أبدًا.
لذلك طلبت منها أن تسمح لي بالاقتراب منك ببطء.
وضعت يديّ على وجهي.
كانت أمي تعرف.
قطعة الخبز المقسومة.
والسلف.
والساعات الإضافية.
كل شيء كان اتفاقًا بين امرأتين مريضتين بالذنب.
آنا، أنا لا أعيد لك ثروة كي أشتريك.
نظرت الحاجة كريمة إلى الكاميرا مباشرة.
أنا أعيد لك ما أخذوه منك.
انتهى التسجيل بجملة جعلت أبناءها ينكمشون
وأنتم، يا أبنائي الأوائل، أترك لكم الشيء الوحيد الذي كسبتموه بأيديكم فرصة أن تقولوا الحقيقة قبل أن يقولها القاضي.
انطفأت الشاشة.
أُغمي على سمر.
لم يركض أحد نحوها.
بدأ مازن يبكي، وقال إنه وقّع فقط لأن سامر هدده.
صرخ سامر بأن الجميع استفاد من ذلك المال.
لم يتأثر كاتب العدل.
كل هذه التصريحات مسجلة أيضًا.
رفع أحد رجال الشرطة هاتفه.
فهم سامر متأخرًا.
أُخذوا للإدلاء بأقوالهم في ذلك المساء.
وبقيت أنا في البيت مع كاتب العدل، وسر,,ـــــير الطفلة، وحياة لا أعرف أين أضعها.
سألته بخجل تقريبًا
ماذا تركت لي؟
فتح كاتب العدل الوصية.
البيت، والحسابات المستردة، وعقارًا في العقبة، وإيرادات محلات مؤجرة، وصندوق جلال مراد بعد تحديث قيمته.
ضحكت.
ليس من السعادة.
بل من العبث.
في صباح ذلك اليوم لم أكن أملك ثمن العشاء، وفي الليل كانوا يخبرونني أن فقري كان يُدار بأيدي لصوص من دمي.
قلت
لا أعرف كيف أكون غنية.
أغلق كاتب العدل الملف.
كوني ابنة أولًا.
حطمتني الجملة.
ذهبت إلى المستشفى حيث كانت أمي تتلقى العلاج.
دخلت والصورة في يدي.
رأتني وعرفت.
الأمهات اللواتي يخفين الحقائق يعرفن دائمًا يوم عودة الكذبة وهي ترتدي حذاءً.
همست
آنا
سألتها
منذ متى؟
بكت قبل أن تجيب.
منذ ثمانية أشهر.
جلست بجانب سر,,ـــــيرها.
وقبل ذلك؟
قالت
قبل ذلك كنت أعرف فقط أن لؤي أحضرك في إحدى الليالي، وقال إن أمك مـ,ـاتت، وإنني إن لم أقبلك فسيتركك في الشارع.
أغمضت عيني.
وصدقتِه؟
أردت أن أصدقه.
انكسر صوتها.
لأنني لم أستطع الإنجاب يا آنا، ولأنك نظرتِ إليّ بعينين واسعتين، فأصبحت أنانية في ثانية واحدة.
لم أستطع أن أكرهها.
وهذا أغضبني.
كان من الأسهل أن أكسر علاقتي بالجميع.
قالت
عندما وجدتني كريمة، ظننت أنها جاءت لتأخذك مني.
ولماذا لم تخبريني؟
لأنها طلبت وقتًا.
وأعطيتها الوقت؟
لأنها كانت تمــ,,ـــــوت.
دخلت الجملة ببطء.سرطان؟
أومأت أمي.
لم تكن تريد أن تعتني بها بدافع الواجب، ولا بسبب الميراث، ولا بدافع الشفقة.
تذكرت الحاجة كريمة وهي تتظاهر بالقسوة بينما أعدّ لها الشوفان.

